أحمد بن علي القلقشندي
340
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
وأمّا الجهاد ، فيكتفي باجتهاد القائم عن أمير المؤمنين بأموره ، المقلَّد عنه جميع ما وراء سريره ، وأمير المؤمنين قد وكل إليه - خلَّد اللَّه سلطانه - عناء الأيّام ، وقلَّده سيفه الراعب بوارقه ليسلَّه واجده على الأعداء [ وإلَّا ] سلّ خباله عليهم في الأحلام ، ويؤكَّد أمير المؤمنين في ارتجاع ما غلب عليه العدا ، وانتزاع [ ما بأ ] يديهم من بلاد الإسلام فإنّه حقّه وإن طال عليه المدى ، وقد قدّم الوصية بأن يوالي غزو العدوّ المخذول برّا وبحرا ، ولا يكفّ عمّن يظفر به منهم قتلا وأسرا ، ولا يفكّ أغلالا ولا إصرا ( 1 ) ، ولا ينفكّ يرسل عليهم في البحر غربانا ، وفي البرّ من الخيل عقبانا ، يحمل فيهما كلّ فارس صقرا ، ويحمي الممالك ممن يحوز أطرافها بإقدام ، ويتخوّل أكنافها الأقدام ، وينظر في مصالح القلاع والحصون والثّغور ، وما يحتاج إليه من آلات القتال ، وما تجتاح به الأعداء ويعجز عنه المحتال ، وأمّهات الممالك الَّتي هي مرابط البنود ( 2 ) ، ومرابض الأسود ، والجناح الممدود ، ويتفقّد أحوالهم بالعرض ، بما لهم من خيل تعقد [ بالعجاج ] ( 3 ) ما بين السماء والأرض ، وما لهم من زرد مصون ، وبيض مسّها ذائب ذهب فكانت كأنّها بيض مكنون ، وسيوف قواضب ، ورماح لكثرة طعنها من الدّماء خواضب ، وسهام تواصل القسيّ ( 4 ) وتفارقها فتحنّ حنين مفارق وتزمجر القوس زمجرة مغاضب . وهذه جملة أراد أمير المؤمنين بها تطييب قلوبكم ، وإطالة ذيل التطويل على مطلوبكم ، وماؤكم وأموالكم وأعراضكم في حماية إلَّا ما أباح الشرع
--> ( 1 ) الإصر ، بكسر الهمزة وسكون الصاد : العهد الثقيل ، والجمع آصار ، أي لا يتراجع عن مقاتلتهم . لسان العرب ومختار الصحاح ، مادة ( أصر ) . ( 2 ) البنود : جمع بند ، بفتح الباء وسكون النون ، وهو العلم الكبير ، فارسي معرّب . قال الشاعر ( طويل ) . وأسيافنا ، تحت البنود ، الصواعق انظر ج 6 من هذا المطبوع ص 59 ، ولسان العرب والصحاح ، مادة ( بند ) . ( 3 ) العجاج ، بفتحتين : الغبار . مختار الصحاح ( عجج ) . ( 4 ) القسيّ ، بالكسر : جمع قوس ، يذكّر ويؤنّث . مختار الصحاح ( قوس ) .